فصل: تفسير الآية رقم (98)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 66‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ‏(‏65‏)‏ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ‏(‏66‏)‏‏}‏

تقدمت هذه القصة ومعانيها في سورة الأعراف سوى أن الأوليّة هنا مصرّح بها في أحد الشقّين‏.‏ فكانت صريحة في أن التخيير يتسلط على الأولية في الإلقاء، وسوى أنه صرّح هنا بأن السحر الذي ألقوْهُ كان بتخييل أن حبالهم وعصيّهم ثعابين تسعى لأنها لا يشبهها في شكلها من أنواع الحيوان سوى الحيات والثعابين‏.‏

والمفاجأة المستفادة من ‏(‏إذا‏)‏ دلّت على أنهم أعدّوها للإلقاء وكانوا يخشون أن يمرّ زمان تزول به خاصياتها فلذلك أسرعوا بإلقائها‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏يُخيّل بتحتيّة في أول الفعل على أن فاعله المصدر من قوله أنَّها تسعى‏}‏‏.‏ وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، ورَوحٌ عن يعقوب «تُخيّل» بفوقية في أوله على أنّ الفعل رافع لضمير ‏{‏حِبَالُهُم وعِصِيُّهُم‏}‏، أي هي تخيل إليه‏.‏

و ‏{‏أنَّها تسعى‏}‏ بدل من الضمير المستتر بدل اشتمال‏.‏

وهذا التخييل الذي وجده موسى من سحر السحرة هو أثر عقاقير يُشرِبونها تلك الحبالَ والعصيّ، وتكون الحبال من صنف خاص، والعصيّ من أعواد خاصة فيها فاعلية لتلك العقاقير، فإذا لاقت شعاع الشمس اضطربت تلك العقاقير فتحركت الحبال والعصيّ‏.‏ قيل‏:‏ وضعوا فيها طِلاءَ الزئبق‏.‏ وليس التخييل لموسى من تأثير السحر في نفسه لأنّ نفس الرسول لا تتأثر بالأوهام، ويجوز أن تتأثر بالمؤثرات التي يتأثر منها الجسد كالمرض، ولذلك وجب تأويل ظاهر حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم وأخبار الآحاد لا تنقض القواطع‏.‏ وليس هذا محلّ ذكره وقد حققته في كتابي المسمّى «النظر الفسيح» على صحيح البخاري‏.‏

و ‏{‏مِن‏}‏ في قوله ‏{‏مِن سِحْرِهِم‏}‏ للسببيّة كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مما خطيئاتهم أغرقوا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 25‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 69‏]‏

‏{‏فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ‏(‏67‏)‏ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ‏(‏68‏)‏ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ‏(‏69‏)‏‏}‏

أوجس‏:‏ أضمر واستشعر‏.‏ وانتصاب ‏{‏خيفةً على المفعولية، أي وجد في نفسه‏.‏ وقد تقدّم نظيره عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نكرهم وأوجس منهم خيفة‏}‏ في سورة هود ‏(‏70‏)‏‏.‏

و خِيفَةً‏}‏ اسم هيئة من الخوف، أريد به مطلق المصدر، وأصله خِوْفة، فقلبت الواو ياء لوقوعها أثر كسرة‏.‏

وزيادة ‏{‏فِي نَفْسِهِ‏}‏ هنا للإشارة إلى أنها خيفةُ تفكُّر لم يظهر أثرها على ملامحه‏.‏ وإنما خاف موسى من أن يظهر أمر السحرة فيساوي ما يظهر على يديه من انقلاب عصاه ثعباناً، لأنه يكون قد ساواهم في عملهم ويكونون قد فاقوه بالكثرة، أو خشي أن يكون الله أراد استدراج السحرة مدّة فيملي لهم بظهور غلبهم عليه ومدّه لما تكون له العاقبة فخشي ذلك‏.‏ وهذا مقام الخوف، وهو مقام جَليل مِثلُه مقام النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر إذ قال‏:‏ ‏{‏اللهم إني أسألك نصرك ووعدك اللّهم إن شئت لم تُعبد في الأرض‏}‏

والدليل على هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْنَا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعلى‏}‏ فتأكيد الجملة بحرف التأكيد وتقويةُ تأكيدها بضمير الفصل وبالتعريف في ‏{‏الأعلى‏}‏ دليل على أن ما خامره من الخوف إنّما هو خوف ظهور السحرة عند العامة ولو في وقت ما‏.‏ وهو وإن كان موقناً بأن الله ينجز له ما أرسله لأجله لكنه لا مانع من أن يستدرج الله الكفرة مدّة قليلة لإظهار ثبات إيمان المؤمنين، كما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏لا يَغُرنك تقلُّب الذين كفروا في البلاد متاع قليل‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 196، 197‏]‏‏.‏

وعبّر عن العصا ب ‏{‏مَا‏}‏ الموصولة تذكيراً له بيوم التكليم إذ قال له‏:‏ ‏{‏وما تلك بيمينك يا موسى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 17‏]‏ ليحصل له الاطمئنان بأنها صائرة إلى الحالة التي صارت إليها يومئذ، ولذلك لم يقل له‏:‏ وألق عصاك‏.‏

والتلقّف‏:‏ الابتلاع‏.‏ وقرأه الجمهور بجزم ‏{‏تلقّفْ في جواب قوله وَأَلْقِ‏}‏‏.‏ وقرأه ابن ذكوان برفع ‏{‏تلقّف على الاستئناف‏.‏

وقرأ الجمهور تلَقّف بفتح اللام وتشديد القاف‏.‏

وقرأه حفص بسكون اللاّم وفتح القاف من لقِف كفرِح‏.‏

وجملة إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحر‏}‏ مستأنفة ابتدائية، وهي مرَكبّة من ‏(‏إنّ‏)‏ و‏(‏مَا‏)‏ الموصولة‏.‏ و‏{‏كيد ساحر‏}‏ خبر ‏(‏إنّ‏)‏‏.‏ والكلام إخبار بسيط لا قصر فيه‏.‏ وكتب ‏(‏إنما‏)‏ في المصحف موصولة ‏(‏إنّ‏)‏ ب ‏(‏ما‏)‏ الموصولة كما توصل ب ‏(‏ما‏)‏ الكافّة في نحو ‏{‏إنما حرّم عليكم الميتة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 173‏]‏ ولم يكن المتقدمون يتوخّون الفروق في رسم الخط‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏كيد ساحر بألف بعد السين‏.‏ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف كيد سِحر بكسر السين‏.‏

وجملة ولاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أتى‏}‏ من تمام الجملة التي قبلها، فهي معطوفة عليها وحال من ضمير ‏{‏إنَّمَا صَنَعُوا‏}‏، أي لا يَنجحُ الساحر حيث كان، لأن صنعته تنكشف بالتأمل وثبات النفس في عدم التأثّر بها‏.‏ وتعريف ‏{‏الساحر تعريف الجنس لقصد الجنس المعروف، أي لا يفلح بها كلّ ساحر‏.‏

واختير فعل أتى‏}‏ دون نحو‏:‏ حيث كانَ، أو حَيث حلّ، لمراعاة كون معظم أولئك السحرة مجلوبون من جهات مصر، وللرعاية على فواصل الآيات الواقعة على حرف الألف المقصورة‏.‏

وتعميم ‏{‏حَيْثُ أتى‏}‏ لعموم الأمكنة التي يحضرها، أي بسحره‏.‏

وتعليق الحكم بوصف الساحر يقتضي أن نفي الفلاح عن الساحر في أمور السحر لا في تجارة أو غيرها‏.‏ وهذا تأكيد للعموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، لأنّ عموم الأشياء يستلزم عموم الأمكنة التي تقع فيها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 71‏]‏

‏{‏فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ‏(‏70‏)‏ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ‏(‏71‏)‏‏}‏

الفاء عاطفة على محذوف يدلّ عليه قوله ‏{‏وألق ما في يمينك‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 69‏]‏‏.‏ والتقدير‏:‏ فألقى فتلقفت ما صنعوا، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن اضرب بعصاك البحر فانفلق‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 63‏]‏‏.‏

والإلقاء‏:‏ الطرح على الأرض‏.‏ وأسند الفعل إلى المجهول لأنّهم لا ملقي لهم إلاّ أنفسهم، فكأنّه قيل‏:‏ فألقوا أنفسهم سُجّداً، فإنّ سجودهم كان إعلاناً باعترافهم أنّ موسى مرسل من الله‏.‏ ويجوز أن يكون سجودهم تعظيماً لله تعالى‏.‏

ويجوز أن يكون دلالة على تغلب موسى عليهم فسجدوا تعظيماً له‏.‏

ويجوز أن يريدوا به تعظيم فرعون، جعلوه مقدمة لقولهم ‏{‏ءَامَنَّا بِرَبّ هارون وموسى‏}‏ حذراً من بطشه‏.‏

وسُجّد‏:‏ جمع ساجد‏.‏

وجملة ‏{‏قَالُوا‏}‏ يصح أن تَكون في موضع الحال، أي ألقَوْا قائلين‏.‏ ويصح أن تكون بدل اشتمال من جملة ‏{‏فَأُلقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً‏}‏ فإن سجودهم اشتمل على إيمانهم، وأن تكون مستأنفة ابتدائية لافتتاح المحاورة بينهم وبين فرعون‏.‏

وإنما آمنوا بالله حينئذ لأنّهم أيقنوا أن ما جرى على يد موسى ليس من جنس السحر لأنّهم أيمّة السحر فعلموا أنّه آية من عند الله‏.‏

وتعبيرهم عن الرب بطريق الإضافة إلى هارون وموسى لأن الله لم يكن يعرف بينهم يومئذ إلا بهذه النسبة لأن لهم أرباباً يعبدونها ويعبدها فرعون‏.‏

وتقديم هارون على موسى هنا وتقديم موسى على هارون في قوله تعالى في سورة الأعراف ‏(‏121، 122‏)‏‏:‏ ‏{‏قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون‏}‏ لا دلالة فيه على تفضيل ولا غيره، لأنّ الواو العاطفة لا تفيد أكثر من مطلق الجمع في الحكم المعطوف فيه، فهم عرفوا الله بأنه ربّ هذين الرجلين؛ فحكي كلامهم بما يدلّ على ذلك؛ ألا ترى أنه حكي في سورة الأعراف ‏(‏121‏)‏ قول السحرة ‏{‏قالوا آمنا برب العالمين‏}‏، ولم يحك ذلك هنا، لأن حكاية الأخبار لا تقتضي الإحاطة بجميع المحكي وإنما المقصود موضع العبرة في ذلك المقام بحسب الحاجة‏.‏

ووجه تقديم هارون هنا الرعاية على الفاصلة، فالتقديم وقع في الحكاية لا في المحكي، إذ وقع في الآية الأخرى ‏{‏قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 47، 48‏]‏‏.‏ ويجوز أن يكون تقديم هارون في هذه الآية من حكاية قول السحرة، فيكون صدر منهم قولان، قدموا في أحدهما اسم هارون اعتباراً بكبر سنّه، وقدموا اسم موسى في القول الآخر اعتباراً بفضله على هارون بالرسالة وكلام الله تعالى، فاختلاف العبارتين باختلاف الاعتبارين‏.‏

ويقال‏:‏ آمن له، أي حصل عنده الإيمانُ لأجله‏.‏ كما يقال‏:‏ آمن به، أي حصل الإيمان عنده بسببه‏.‏ وأصل الفعل أن يتعدى بنفسه لأنّ آمنه بمعنى صَدقه، ولكنه كاد أن لا يستعمل في معنى التصديق إلاّ بأحد هذين الحرفين‏.‏

وقرأ قالون وورش من طريق الأزرق، وابن عامر، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وروحٌ عن يعقوب ‏{‏ءامنتم بهمزة واحدة بعدها مَدّة وهي المدّة الناشئة عن تسهيل الهمزة الأصلية في فعل آمن، على أنّ الكلام استفهام‏.‏

وقرأه ورش من طريق الأصفهاني، وابنُ كثير، وحفص عن عاصم، ورويسٌ عن يعقوب بهمزة واحدة على أنّ الكلام خبر، فهو خبر مستعمل في التوبيخ‏.‏

وقرأه حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بهمزتين على الاستفهام أيضاً‏.‏

ولما رأى فرعون إيمان السحرة تغيّظ ورام عقابهم ولكنه علم أنّ العقاب على الإيمان بموسى بعد أن فتح باب المناظرة معه نكث لأصول المناظرة فاختلق للتشفّي من الذين آمنوا علّة إعلانهم الإيمان قبل استئذانِ فرعون، فعدّ ذلك جرأة عليه، وأوهم أنّهم لو استأذنوه لأذن لهم، واستخلص من تسرعهم بذلك أنهم تواطؤوا مع موسى من قبلُ فأظهروا العجز عند مناظرته‏.‏ ومقصد فرعون من هذا إقناع الحاضرين بأنّ موسى لم يأت بما يعجز السحرة إدخالاً للشكّ على نفوس الذين شاهدوا الآيات‏.‏ وهذه شِنْشِنة من قديم الزمان اختلاق المغلوب بارد العذر‏.‏ ومن هذا القبيل اتهام المحكوم عليهم الحاكمين بالارتشاء، واتهام الدول المغلوبة في الحروب قواد الجيوش بالخيانة‏.‏

وضمير لَهُ‏}‏ عائد إلى موسى مثل ضمير ‏{‏إنه لكبيركُم‏.‏

ومعنى قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُم‏}‏ قبل أن أسوّغ لكم أن تؤمنوا به‏.‏ يقال‏:‏ أذِن له، إذ أباح له شيئاً‏.‏

والتقطيع‏:‏ شدّة القطع‏.‏ ومرجع المبالغة إلى الكيفية، وهي ما وصفه بقوله ‏{‏مِن خِلاف‏}‏ أي مختلفة؛ بأن لا تقطع على جانب واحد بل من جانبين مختلفين، أي تقطع اليد ثمّ الرجلُ من الجهة المخالفة لجهة اليد المقطوعة ثم اليد الأخرى ثم الرجل الأخرى‏.‏ والظاهر‏:‏ أنّ القطع على هذه الكيفية كان شعاراً لقطع المجرمين، فيكون ذكر هذه الصفة حكاية للواقع لا للاحتراز عن قطع بشكل آخر، إذ لا أثر لهذه الصفة في تفظيع ولا في شدّة إيلام إذا كان ذلك يقع متتابعاً‏.‏

وأما ما جاء في الإسلام في عقوبة المحارب فإنما هو قطع عضو واحد عند كل حرابة فهو من الرحمة في العقوبة لئلا يتعطّل انتفاع المقطوع بباقي أعضائه من جرّاء قطع يَد ثمّ رجل من جهة واحدة، أو قطع يد بعد يد وبقاء الرجلين‏.‏

و ‏(‏من‏)‏ في قوله ‏{‏مِنْ خلاف‏}‏ للابتداء، أي يبدأ القطع من مبدأ المخالفة بين المقطوع‏.‏ والمجرور في موضع الحال، وقد تقدّم نظيره في سورة الأعراف وفي سورة المائدة‏.‏

والتصليب‏:‏ مبالغة في الصلب‏.‏ والصلب‏:‏ ربط الجسم على عود مُنتصب أو دَقُّهُ عليه بمسامير، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما قتلوه وما صلبوه‏}‏ في سورة النساء ‏(‏157‏)‏‏.‏ والمبالغة راجعة إلى الكيفية أيضاً بشدّة الدقّ على الأعواد‏.‏

ولذلك عدل عن حرف الاستعلاء إلى حرف الظرفية تشبيهاً لشدّة تمكّن المصلوب من الجذع بتمكن الشيء الواقع في وعائه‏.‏

والجذوع‏:‏ جمع جذع بكسر الجيم وسكون الذال وهو عود النخلة‏.‏ وقد تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهزي إليك بجذع النخلة‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وتعدية فعل ‏{‏ولأُصلّبَنَّكُم‏}‏ بحرف ‏(‏في‏)‏ مع أنّ الصلب يكون فوق الجذع لا داخله ليدل على أنه صلب متمكن يُشبه حصول المظروف في الظرف، فحرف ‏(‏في‏)‏ استعارة تبعيّة تابعة لاستعارة متعلَّق معنى ‏(‏في‏)‏ لمتعلَّق معنى ‏(‏على‏)‏‏.‏

وأيّنا‏:‏ استفهام عن مشتركيْن في شدّة التعذيب‏.‏ وفعل ‏{‏لتعلمُن معلق عن العمل لوقوع الاستفهام في آخره‏.‏ وأراد بالمشتركين نفسَه وربّ موسى سبحانه لأنه علم من قولهم ‏{‏آمنا برب هارون وموسى‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 47‏]‏ أن الذي حملهم على الإيمان به ما قدم لهم موسى من الموعظة حين قال لهم بمسمع من فرعون ‏{‏ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 61‏]‏، أي وستجدون عذابي أشد من العذاب الذي حُذرتموه‏.‏ وهذا من غروره‏.‏ ويدل على أن ذلك مراد فرعون ما قابل به المؤمنون قوله ‏{‏أينا أشدّ عذاباً وأبقى بقولهم والله خير وأبقى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 73‏]‏، أي خير منك وأبقى عملاً من عملك، فثوابه خير من رضاك وعذابه أشد من عذابك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 73‏]‏

‏{‏قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏72‏)‏ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏73‏)‏‏}‏

أظهروا استخفافهم بوعيده وبتعذيبه، إذ أصبحوا أهل إيمان ويقين، وكذلك شأن المؤمنين بالرسل إذا أشرقت عليهم أنوار الرسالة فسرعان ما يكون انقلابهم عن جهالة الكفر وقساوته إلى حكمة الإيمان وثباته‏.‏ ولنا في عمر بن الخطّاب ونحوه ممن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم مَثَلُ صدق‏.‏

والإيثار‏:‏ التفضيل‏.‏ وتقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد آثرك الله علينا‏}‏ في سورة يوسف ‏(‏91‏)‏‏.‏ والتفضيل بين فرعون وما جاءهم من البيّنات مقتض حذف مضاف يناسب المقابلة بالبيّنات، أي لن نؤثر طاعتك أو دينك على ما جاءنا من البيّنات الدالة على وجوب طاعة الله تعالى، وبذلك يلتئم عطف ‏{‏والذي فَطَرنا‏}‏، أي لا نؤثرك في الربوبية على الذي فطرنا‏.‏

وجيء بالموصول للإيماء إلى التّعليل، لأنّ الفاطر هو المستحق بالإيثار‏.‏

وأخر ‏{‏الذي فطرنا عن ما جَاءَنَا مِنَ البينات‏}‏ لأنّ البيّنات دليل على أنّ الذي خلقهم أراد منهم الإيمان بموسى ونبذ عبادة غير الله، ولأنّ فيه تعريضاً بدعوة فرعون للإيمان بالله‏.‏

وصيغة الأمر في قوله ‏{‏فَاقْضضِ مَا أنتَ قَاضٍ‏}‏ مستعملة في التسوية، لأن ‏{‏ما أنت قاض‏}‏ مَا صْدَقُه ما توعدهم به من تقطيع الأيدي والأرجل والصّلببِ، أي سواء علينا ذلك بعضه أو كلّه أو عدم وقوعه، فلا نطلب منك خلاصاً منه جزاء طاعتك فافعل ما أنت فاعل ‏(‏والقضاء هنا التنفيذ والإنجاز‏)‏ فإنّ عذابك لا يتجاوز هذه الحياة ونحن نرجو من ربنا الجزاء الخالد‏.‏

وانتصب ‏{‏هذه الحياة‏}‏ على النيابة عن المفعول فيه، لأنّ المراد بالحياة مُدّتُها‏.‏

والقصر المستفاد من ‏(‏إنما‏)‏ قصر موصوف على صفة، أي إنك مقصور على القضاء في هذه الحياة الدنيا لا يتجاوزه إلى القضاء في الآخرة، فهو قصر حقيقيّ‏.‏

وجملة ‏{‏إنَّا آمَنَّا بِرَبنا‏}‏ في محلّ العلّة لما تضمنه كلامهم‏.‏

ومعنى ‏{‏وما أكْرَهْتَنَا عليْهِ مِنَ السِّحْرِ‏}‏ أنه أكرههم على تحدّيهم موسى بسحرهم فعلموا أن فعلهم باطل وخطيئة لأنّه استعمل لإبطال إلهيّة الله، فبذلك كان مستوجباً طلب المغفرة‏.‏

وجملة ‏{‏والله خَيْرٌ وأبقى‏}‏ في موضع الحال، أو معترضة في آخر الكلام للتذييل‏.‏ والمعنى‏:‏ أنّ الله خير لنا بأن نؤثره منك، والمراد‏:‏ رضى الله، وهو أبقى منك، أي جزاؤه في الخير والشرّ أبقى من جزائك فلا يهولنا قولك ‏{‏ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 71‏]‏، فذلك مقابلة لوعيده مقابلة تامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 77‏]‏

‏{‏إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ‏(‏74‏)‏ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ‏(‏75‏)‏ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ‏(‏76‏)‏ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ‏(‏77‏)‏‏}‏

هذه الجمل معترضة بين حكاية قصة السحرة وبين ذكر قصّة خروج بني إسرائيل، ساقها الله موعظة وتأييداً لمقالة المؤمنين من قوم فرعون‏.‏ وقيل‏:‏ هي من كلام أولئك المؤمنين‏.‏ ويبعده أنه لم يحك نظيره عنهم في نظائر هذه القصّة‏.‏

والمجرم‏:‏ فاعل الجريمة، وهي المعصية والفعل الخبيث‏.‏ والمجرم في اصطلاح القرآن هو الكافر، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 29‏]‏‏.‏

واللام في ‏{‏لَهُ جَهَنَّمَ‏}‏ لامُ الاستحقاق، أي هو صائر إليها لا محالة، ويكون عذابه متجدّداً فيها؛ فلا هو ميت لأنّه يُحِس بالعذاب ولا هو حيّ لأنه في حَالةٍ الموتُ أهون منها، فالحياة المنفية حياة خاصة وهي الحياة الخالصة من العذاب والآلام‏.‏ وبذلك لم يتناقض نفيها مع نفي الموت، وهو كقول عبّاس بن مرداس‏:‏

وقد كنتُ في الحرب ذَا تُدْرَإٍ *** فلم أُعْطَ شيئاً ولم أُمنع

وليس هذا من قبيل قوله ‏{‏إنها بقرة لا فارض ولا بكر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 68‏]‏ ولا قوله ‏{‏زيتونة لا شرقية ولا غربية‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 35‏]‏‏.‏

وأما خلود غير الكافرين في النّار من أهل الكبائر فإن قوله ‏{‏لا يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى‏}‏ جعلها غير مشمولة لهذه الآية‏.‏ ولها أدلّة أخرى اقتضت خلود الكافر وعدم خلود المؤمن العاصي‏.‏ ونازَعَنَا فيها المعتزلة والخوارج‏.‏ وليس هذا موضع ذكرها وقد ذكرناها في مواضعها من هذا التفسير‏.‏

والإتيان باسم الإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏فأولئك لهم الدرجات‏}‏ للتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما سبق اسمَ الإشارة‏.‏

وتقدم معنى ‏{‏عَدْن‏}‏ وتفسير ‏{‏تجري من تحتها الأنهار‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن‏}‏ في سورة براءة ‏(‏72‏)‏‏.‏

والتزكّي‏:‏ التطهر من المعاصي‏.‏

‏(‏77‏)‏ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِى البحر يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى‏}‏

افتتاح الجملة بحرف التحقيق للاهتمام بالقصة ليلقي السامعون إليها أذهانهم‏.‏ وتغيير الأسلوب في ابتداء هذه الجملة مؤذن بأن قصصاً طويت بين ذكر القصتين، فلو اقتصر على حرف العطف لتوهّم أن حكاية القصة الأولى لم تزل متصلة فتُوهم أن الأمر بالخروج وقع موالياً لانتهاء مَحْضَر السحرة، مع أن بين ذلك قصصاً كثيرة ذُكرت في سورة الأعراف وغيرها، فإن الخروج وقع بعد ظهور آيات كثيرة لإرهاب فرعون كلما همّ بإطلاق بني إسرائيل للخروج‏.‏ ثمّ نكَل إلى أن أذن لهم بأخَرَة فخرجوا ثمّ ندم على ذلك فأتبعهم‏.‏

فجملة ‏{‏ولقَدْ أوْحَيْنَا إلى موسى‏}‏ ابتدائية، والواو عاطفة قصة على قصة وليست عاطفة بعض أجزاء قصة على بعض آخر‏.‏

و ‏{‏اسْرِ أمرٌ من السُرَى بضم السين وفتح الراء وتقدّم في سورة الإسراء أنه يقال‏:‏ سَرَى وأسرى‏.‏ وإنما أمره الله بذلك تجنّباً لنكول فرعون عليهم‏.‏ والإضافة في قوله بِعِبَادي‏}‏ لتشريفهم وتقريبهم والإيماءِ إلى تخليصهم من استعباد القبط وأنهم ليسُوا عبيداً لفرعون‏.‏

والضرب‏:‏ هنا بمعنى الجَعْل كقولهم‏:‏ ضَرَب الذهبَ دنانير‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ واضربوا إليّ معكم بسهم ‏"‏، وليس هو كقوله ‏{‏أن اضْرِب بعصاك البحر‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 63‏]‏ لأنّ الضرب هنالك متعد إلى البحر وهنا نصَب طريقا‏.‏

واليَبَس بفتح المثناة والموحدة‏.‏ ويقال‏:‏ بسكون الموحدة‏:‏ وصف بمعنى اليابس‏.‏ وأصله مصدر كالعَدَم والعُدْم، وصف به للمبالغة ولذلك لا يؤنث فقالوا‏:‏ ناقة يَبَس إذا جفّ لبنها‏.‏

و ‏{‏لا تخافُ مرفوع في قراءة الجمهور، وعدٌ لموسى اقتصر على وعده دون بقية قومه لأنه قدوتهم فإذا لم يخف هو تشجعوا وقوي يقينهم، فهو خبر مراد به البُشرى‏.‏ والجملة في موضع الحال‏.‏

وقرأ حمزة وحده لا تَخَفْ على جواب الأمر الذي في قوله فاضرب، وكلمة تَخَفْ‏}‏ مكتوبة في المصاحف بدون ألف لتكون قراءتها بالوجهين لكثرة نظائر هذه الكلمة ذات الألف في وسطها في رسم المصحف ويسميه المؤدبون «المحذوفَ»‏.‏

وأما قوله ‏{‏وَلاَ تخشى‏}‏ فالإجماع على قراءته بألف في آخره‏.‏ فوجه قراءة حمزة فيها مع أنّه قرأ بجزم المعطوف عليه أن تكون الألف للإطلاق لأجل الفواصل مثل ألف ‏{‏فأضلونا السبيلا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 67‏]‏ وألف ‏{‏وتظنون بالله الظُنونا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 10‏]‏، أو أن تكون الواو في قوله ‏{‏ولا تخشى للاستئناف لا للعطف‏.‏

و الدّرَك بفتحتين اسم مصدر الإدراك، أي لا تخاف أن يدركك فرعون‏.‏

والخشية‏:‏ شدّة الخوف‏.‏ وحذف مفعوله لإفادة العموم، أي لا تخشى شيئاً، وهو عامّ مراد به الخصوص، أي لا تخشى شيئاً مما يخشى من العدوّ ولا من الغرق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 79‏]‏

‏{‏فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ‏(‏78‏)‏ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ‏(‏79‏)‏‏}‏

الفاء فصيحة عاطفة على مقدر يدلّ عليه الكلام السابق، أي فسرى بهم فأتبعهم فرعون، فإن فرعون بعد أن رأى آيات غضب الله عليه وعلى قومه وأيقن أنّ ذلك كله تأييد لموسى أذن لموسى وهارون أن يخرجا بني إسرائيل، وكان إذْن فرعون قد حصل ليلاً لحدوث موتان عظيم في القبط في ليلة الشهر السابع من أشهر القبط وهو شهر ‏(‏برمهات‏)‏ وهو الذي اتّخذه اليهود رأس سنتهم بإذن من الله وسمّوه ‏(‏تِسّرِي‏)‏ فخرجوا من مدينة ‏(‏رعمسيس‏)‏ قاصدين شاطئ البحر الأحمر‏.‏ وندم فرعون على إطلاقهم فأراد أن يلحقهم ليرجعهم إلى مدينته، وخرج في مركبته ومعه ستمائة مركبة مختارة ومركبات أخرى تحمل جيشه‏.‏

وأتْبَع‏:‏ مرادفع تَبِع‏.‏ والباء في ‏{‏بجُنُودِهِ‏}‏ للمصاحبة‏.‏

واليمّ‏:‏ البحر‏.‏ وغشيانه إياهم‏:‏ تغطيته جُثَثَهم، أي فغرِقوا‏.‏

وقوله ‏{‏مَا غَشِيَهُمْ‏}‏ يفيد ما أفاده قوله ‏{‏فَغَشِيَهُم مِنَ اليَمّ‏}‏ إذ من المعلوم أنهم غشيهم غاششٍ، فتعيّن أن المقصود منه التهويل، أي بلغ من هول ذلك الغرق أنّه لا يستطاع وصفه‏.‏ قال في «الكشاف»‏:‏ «هو من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة»‏.‏ وهذا الجزء من القصة تقدم في سورة يونس‏.‏

وجملة ‏{‏وأضلّ فرعونُ قومه‏}‏ في موضع الحال من الضمير في ‏{‏غَشِيَهُمْ‏}‏‏.‏ والإضلال‏:‏ الإيقاع في الضلال، وهو خطأ الطريق الموصّل‏.‏ ويستعمل بكثرة في معنى الجهالة وعَمَل ما فيه ضرّ وهو المراد هنا‏.‏ والمعنى‏:‏ أنّ فرعون أوقع قومه في الجهالة وسوء العاقبة بما بثّ فيهم من قلب الحقائق والجهل المركب، فلم يصادفوا السداد في أعمالهم حتى كانت خاتمتها وقوعهم غرقى في البحر بعناده في تكذيب دعوة موسى عليه السلام‏.‏

وعَطْفُ ‏{‏وما هدى‏}‏ على ‏{‏أضلّ‏}‏‏:‏ إما من عطف الأعمّ على الأخص لأنّ عدم الهدى يصدق بترك الإرشاد من دون إضلال؛ وإما أن يكون تأكيداً لفظياً بالمرادف مؤكداً لنفي الهدى عن فرعون لقومه فيكون قوله ‏{‏وما هدى تأكيداً لأضلّ‏}‏ بالمرادف كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أموات غير أحياء‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 21‏]‏ وقول الأعشى‏:‏

حفاة لا نعال لنا ***» من قوله‏:‏

إمّا تَرَيْنَا حُفَاةً لا نِعال لنا *** إنّا كذلككِ ما نحفَى وننتعل

وفي «الكشاف»‏:‏ إن نكتة ذكر ‏{‏وما هدى‏}‏ التهكم بفرعون في قوله ‏{‏وما أهديكم إلا سبيل الرشاد اه‏.‏ يعني أن في قوله وما هدى‏}‏ تلميحاً إلى قصة قوله المحكي في سورة غافر ‏(‏29‏)‏‏:‏ ‏{‏قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد‏}‏ وما في هذه من قوله ‏{‏بطريقتكم المثلى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 63‏]‏، أي هي هَدْي، فيكون من التلميح إلى لفظ وقع في قصة مفضياً إلى التلميح إلى القصة كما في قول مُهلهل‏:‏

لو كُشِف المقابر عن كُليب *** فخُبّر بالذّنائب أيُّ زير

يشير إلى قول كُليب له على وجه الملامة‏:‏ أنتَ زِير نساء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 82‏]‏

‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ‏(‏80‏)‏ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ‏(‏81‏)‏ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ‏(‏82‏)‏‏}‏

هذه الجمل معترضة في أثناء القصة مثل ما تقدم آنفاً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنه من يأت ربه مجرماً‏}‏ الآية‏.‏ وهذا خطاب لليهود الذين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تذكيراً لهم بنعم أخرى‏.‏

وقُدّمت عليها النعمة العظيمة، وهي خلاصهم من استعباد الكفرة‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏قد أنجيناكم وواعدناكم بنون العظمة‏.‏ وقرأهما حمزة، والكسائي، وخلف قد أنجيتكم ووعدتكم بتاء المتكلّم‏.‏

وذكّرهم بنعمة نزول الشريعة وهو ما أشار إليه قوله وواعدناكم جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ‏}‏‏.‏ والمواعدة‏:‏ اتّعاد من جانبين، أي أمرنا موسى بالحضور للمناجاة فذلك وعد من جانب الله بالمناجاة، وامتثالُ موسى لذلك وعدٌ من جانبه، فتم معنى المواعدة، كما قال تعالى في سورة البقرة ‏(‏52‏)‏‏:‏ ‏{‏وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة‏}‏

ويظهر أنّ الآية تشير إلى ما جاء في الإصحاح 19 من سفر الخروج‏:‏ في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر جاءوا إلى برّية سيناء هنالك نزل إسرائيل مقابل الجبل‏.‏ وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الربّ من الجبل قائلاً‏:‏ هكذا نقول لبيت يعقوب أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على أجنحة النّسور، إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏

وذكر الطور تقدم في سورة البقرة‏.‏

وجانب الطور‏:‏ سفحه‏.‏ ووصفه بالأيمن باعتبار جهة الشخص المستقبل مشرقَ الشمس، وإلاّ فليس للجبل يمين وشمال معيّنان، وإنما تعرَّف بمعرفة أصل الجهات وهو مطلع الشمس، فهو الجانب القبلي باصطلاحنا‏.‏ وجُعل محلّ المواعدة الجانب القبلي وليس هو من الجانب الغربي الذي في سورة القصص ‏(‏30‏)‏‏:‏ ‏{‏فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة وقال فيها وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 44‏]‏ فهو جانب غربي، أي من جهة مغرب الشمس من الجبل، وهو الذي آنس موسى منه ناراً‏.‏

وانتصب ‏{‏جَانِبَ الطُّورِ‏}‏ على الظرفية المكانية لأنّه لاتساعه بمنزلة المكان المبهم‏.‏

ومفعول المواعدة محذوف، تقديره‏:‏ المناجاة‏.‏

وتعدية ‏{‏واعدناكم‏}‏ إلى ضمير جماعة بني إسرائيل وإن كانت مواعدة لموسى ومن معه الذين اختارهم من قومه باعتبار أنّ المقصد من المواعدة وحي أصول الشريعة التي تصير صلاحاً للأمّة فكانت المواعدة مع أولئك كالمواعدة مع جميع الأمّة‏.‏

وقرأ الجميع ‏{‏ونزَّلنا عليكم الخ؛ فباعتبار قراءة حمزة، والكسائي، وخلف قد أنجيتكم وواعدتكم بتاء المفرد تكون قراءة وأنزلنا بنون العظمة قريباً من الالتفات وليس عينه، لأن نون العظمة تساوي تاء المتكلّم‏.‏

والسلوَى تقدم في سورة البقرة‏.‏ وكان ذلك في نصف الشهر الثاني من خروجهم من مصر كما في الإصحاح 16 من سفر الخروج‏.‏

وجملة كُلُوا‏}‏ مقولٌ محذوف‏.‏ تقديره‏:‏ وقلنا أو قائلين‏.‏ وتقدم نظيره في سورة البقرة‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏ما رزقناكم بنون العظمة‏.‏ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف ما رزقتكم بتاء المفرد‏.‏

والطغيان‏:‏ أشدّ الكِبر‏.‏

ومعنى النهي عن الطغيان في الرزق‏:‏ النهي عن ترك الشكر عليه وقلّة الاكتراث بعبادة المُنعِم‏.‏

وحرف ‏(‏في‏)‏ الظرفيّة استعارةٌ تبعية؛ شبه ملابسة الطغيان للنّعمة بحلول الطغيان فيها تشبيهاً للنعمة الكثيرة بالوعاء المحيط بالمنعَم عليه على طريقة المكنية، وحرف الظرفية قرينتها‏.‏

والحلول‏:‏ النزول والإقامة بالمكان؛ شبهت إصابة آثار الغضب إياهم بحلول الجيش ونحوه بديار قوم‏.‏

وقرأ الجمهور فيحِلّ عليكم بكسر الحاء وقرأوا ومن يحلِل عليه غضبي بكسر اللاّم الأولى على أنهما فعلا حَلّ الدّيْن يقال‏:‏ حلّ الديْن إذا آن أجل أدائه‏.‏ وقرأه الكسائي بالضمّ في الفعلين على أنّه من حلّ بالمكان يحُلّ إذا نزل به‏.‏ كذا في الكشاف‏}‏ ولم يتعقبوه‏.‏

وهذا مما أهمله ابن مالك في «لامية الأفعال»، ولم يستدركه شارحها بَحْرَق اليمني في «الشرح الكبير»‏.‏ ووقع في «المصباح» ما يخالفه ولا يعوّل عليه‏.‏ وظاهر «القاموس» أن حلّ بمعنى نزل يستعمل قاصراً ومتعدياً، ولم أقف لهم على شاهد في ذلك‏.‏

وهوَى‏:‏ سقط من علوّ، وقد استعير هنا للهلاك الذي لا نهوض بعده، كما قالوا‏:‏ هوت أمّه، دعاء عليه، وكما يقال‏:‏ ويل أمّه، ومنه‏:‏ ‏{‏فأمه هاوية‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 9‏]‏، فأريد هويّ مخصوص، وهو الهوي من جبل أو سطح بقرينة التهديد‏.‏

وجملة ‏{‏وإنّي لغَفَّارٌ‏}‏ إلى آخرها استطراد بعد التحذير من الطغيان في النعمة بالإرشاد إلى ما يتدارك به الطغيان إن وقع بالتوبة والعمل الصالح‏.‏ ومعنى ‏{‏تَابَ‏}‏‏:‏ ندم على كفره وآمن وعمل صالحاً‏.‏

وقوله ‏{‏ثُمَّ اهتدى‏}‏ ‏(‏ثم‏)‏ فيه للتراخي في الرتبة؛ استعيرت للدلالة على التباين بين الشيئين في المنزلة كما كانت للتباين بين الوقتين في الحدوث‏.‏ ومعنى ‏{‏اهتدى‏:‏ استمرّ على الهدى وثبت عليه، فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 13‏]‏‏.‏

والآيات تشير إلى ما جاء في الإصحاح من سفر الخروج «الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب وكثير الإحسان غافر الإثم والخطيئة ولكنّه لن يبرئ إبراء»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 85‏]‏

‏{‏وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ‏(‏83‏)‏ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ‏(‏84‏)‏ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ‏(‏85‏)‏‏}‏

عطفٌ على جملة ‏{‏اسْرِ بعبادي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 77‏]‏ الواقعة تفسيراً لفعل ‏{‏أوحينا إلى موسى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 77‏]‏، فقوله ‏{‏ومَا أعْجَلَكَ عَن قومِكَ‏}‏ هو مما أوحى الله به إلى موسى‏.‏ والتقدير‏:‏ وأنْ‏:‏ ما أعجلك الخ‏.‏ وهو إشارة إلى ما وقع لهم أيام مناجاة موسى في الطور في الشهر الثالث لخروجهم من مصر‏.‏ وهذا الجزء من القصة لم يذكر في سورة الأعراف‏.‏

والإعجال‏:‏ جعْل الشيء عاجلاً‏.‏

والاستفهام مستعمل في اللّوْم‏.‏ والذي يؤخذ من كلام المفسرين وتشير إليه الآية‏:‏ أنّ موسى تعجّل مفارقة قَومه ليحضر إلى المناجاة قبل الإبّان الذي عيّنه الله له، اجتهاداً منه ورغبة في تلقي الشريعة حسبما وعده الله قبل أن يحيط بنو إسرائيل بجبل الطور، ولم يراع في ذلك إلا السبق إلى ما فيه خير لنفسه ولقومه، فلامه الله على أن غفل عن مراعاة ما يحفّ بذلك من ابتعاده عن قومه قبل أن يوصيهم الله بالمحافظة على العهد ويحذّرهم مكر من يتوسّم فيه مكراً، فكان في ذلك بمنزلة أبي بكر حين دخل المسجد فوجد النبي صلى الله عليه وسلم راكعاً فركع ودَبّ إلى الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ»

وقريبٌ من تصرّف موسى عليه السلام أخذُ المجتهد بالدليل الذي له معارض دون علم بمعارضة، وكان ذلك سبب افتتان قومه بصنع صنم يعبدونه‏.‏

وليس في كتاب التّوراة ما يشير إلى أكثر من صنع بني إسرائيل العجل من ذهب اتخذوه إلهاً في مدّة مغيب موسى، وأن سبب ذلك استبطاؤهم رجوع موسى ‏{‏قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 91‏]‏‏.‏

وقوله هنا ‏{‏هُمْ أُوْلاءِ على أَثَرِي‏}‏ يدل على أنّهم كانوا سائرين خلفه وأنه سبقهم إلى المناجاة‏.‏

واعتذر عن تعجّله بأنه عجّل إلى استجابة أمر الله مبالغة في إرضائه، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ‏}‏ فيه ضرب من المَلام على التعجل بأنّه تسبب عليه حدوث فتنة في قومه ليعلمه أن لا يتجاوز ما وُقت له ولو كان لرغبة في ازدياد من الخير‏.‏

والأثَر بفتحتين‏:‏ ما يتركه الماشي على الأرض من علامات قدَم أو حافر أو خفّ‏.‏ ويقال‏:‏ إثْر بكسر الهمزة وسكون الثاء وهما لغتان فصيحتان كما ذكر ثعلب‏.‏ فمعنى قولهم‏:‏ جاء على إثره، جاء موالياً له بقرب مجيئه، شبه الجائي الموالي بالذي يمشي على علامات أقدام مَن مشى قبله قبل أن يتغيّر ذلك الأثرُ بأقدام أخرى، ووجه الشبه هو موالاته وأنه لم يسبقه غيره‏.‏

والمعنى‏:‏ هم أولاء سائرون على مواقع أقدامي، أي موالون لي في الوصول‏.‏ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدَمِي»

، تقديره‏:‏ يحشرون سائرين على آثار قدمي‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏على أَثرِي‏}‏ بفتحتين‏.‏ وقرأه رويس عن يعقوب بكسر الهمزة وسكون الثاء‏.‏

واستعمل تركيب ‏{‏هُمْ أُوَلاءِ‏}‏ مجرّداً عن حرف التنبيه في أول اسم الإشارة خلافاً لقوله في سورة النساء ‏(‏109‏)‏‏:‏ ‏{‏ها أنتم هؤلاء جادلتم‏}‏، وتجريد اسم الإشارة من هاء التنبيه استعمال جائز وأقل منه استعماله بحرف التنبيه مع الضمير دون اسم الإشارة، نحو قول عبد بني الحسحاس‏:‏

هَا أنا دُون الحبيببِ يا وَجع *** وتقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ها أنتم أولاء تحبونهم‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏119‏)‏‏.‏

وإسناد الفتن إلى الله باعتبار أنه مُقدّره وخالقُ أسبابه البعيدة‏.‏ وأمّا إسناده الحقيقي فهو الذي في قوله ‏{‏وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ‏}‏ لأنه السبب المباشر لضلالهم المسبب لفتنتهم‏.‏

و ‏{‏السَّامِرِيُّ‏}‏ يظهر أن ياءه ياء نسبة، وأن تعريفه باللاّم للعهد‏.‏ فأما النسبة فأصلها في الكلام العربي أن تكون إلى القبائل والعشائر؛ فالسامريّ نسب إلى اسم أبي قبيلة من بني إسرائيل أو غيرهم يقارب اسمه لفظ سَامِر، وقد كان من الأسماء القديمة ‏(‏شُومر‏)‏ و‏(‏شامر‏)‏ وهما يقاربان اسم سامر لا سيما مع التعريب‏.‏ وفي «أنوار التنزيل»‏:‏ «السامريّ نسبة إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها‏:‏ السامرة» اه‏.‏ أخذنا من كلام البيضاوي أن السامريّ منسوب إلى قبيلة وأما قوله «من بني إسرائيل» فليس بصحيح‏.‏ لأنّ السامرة أمّة من سكان فلسطين في جهة نَابلس في عهد الدولة الروميّة ‏(‏البيزنطية‏)‏ وكانوا في فلسطين قبل مصير فلسطين بيد بني إسرائيل ثمّ امتزجوا بالإسرائيليين واتبعوا شريعة موسى عليه السلام مع تخالف في طريقتهم عن طريقة اليهود‏.‏ فليس هو منسوباً إلى مدينة السامرة القريبة من نابلس لأنّ مدينة السامرة بناها الملك ‏(‏عَمْري‏)‏ ملك مملكة إسرائيل سنة 925 قبل المسيح‏.‏ وجعلها قصبة مملكته، وسماها ‏(‏شوميرون‏)‏ لأنّه بناها على جبل اشتراه من رجل اسمه ‏(‏شَامر‏)‏ بوَزْنتَين من الفضة، فعُرّبت في العربية إلى سامرة، وكان اليهود يَعُدونها مدينة كفر وجور، لأنّ ‏(‏عمري‏)‏ بانيها وابنه ‏(‏آخاب‏)‏ قد أفسدا ديانة التّوراة وعبدا الأصنام الكنعانية‏.‏ وأمر الله النبي إلياس بتوبيخهما والتثوير عليهما، فلا جرم لم تكن موجودة زمن موسى ولا كانت ناحيتها من أرض بني إسرائيل زمن موسى عليه السلام‏.‏

ويحتمل أن يكون السامريّ نسباً إلى قرية اسمها السامرة من قرى مصر، كما قال بعض أهل التفسير، فيكون فتى قبطياً اندس في بني إسرائيل لتعلّقه بهم في مصر أو لصناعة يصنعها لهم‏.‏ وعن سعيد بن جبير‏:‏ كان السامريّ من أهل ‏(‏كرمان‏)‏، وهذا يقرّب أن يكون السامريّ تعريبَ كرماني بتبديل بعض الحروف وذلك كثير في التعريب‏.‏

ويجوز أن تكون الياء من السامريّ غير ياء نسب بل حرفاً من اسم مثل‏:‏ ياء عليّ وكرسيّ، فيكون اسماً أصلياً أو منقولاً في العبرانية، وتكون اللاّم في أوّله زائدة‏.‏

وذكر الزمخشري والقرطبي خليطاً من القصة‏:‏ أن السامريّ اسمه موسى بن ظَفَر بفتح الظاء المعجمة وفتح الفاء وأنه ابن خالة موسى عليه السلام أو ابن خَاله، وأنه كفَر بدين موسى بعد أن كان مؤمناً به، وزاد بعضهم على بعض تفاصيل تشمئزّ النفس منها‏.‏

واعلم أن السامريين لقب لطائفة من اليهود يقال لهم أيضاً السامرة، لهم مذهب خاص مخالف لمذهب جماعة اليهوديّة في أصول الدّين، فهم لا يعظمون بيت المقدس وينكرون نبوءة أنبياء بني إسرائيل عدا موسى وهارون ويوشع، وما كانت هذه الشذوذات فيهم إلاّ من بقايا تعاليم الإلحاد التي كانوا يتلقونها في مدينة السامرة المبنيّة على التساهل والاستخفاف بأصول الدين والترخّص في تعظيم آلهة جيرتهم الكنعانيين أصْهار ملوكهم، ودام ذلك الشذوذ فيهم إلى زمن عيسى عليه السلام ففي إنجيل متى إصحاح 10 وفي إنجيل لوقا إصحاح 9 ما يقتضي أن بلدة السامريين كانت منحرفة على اتباع المسيح، وأنه نهى الحواريين عن الدخول إلى مدينتهم‏.‏

ووقعت في كتاب الخروج من التوراة في الإصحاح الثاني والثلاثين زلّة كبرى، إذ زعموا أنّ هارون صنع العجل لهم لمّا قالوا له‏:‏ «اصنع لنا آلهة تسير أمامنا لأنا لا نعلم ماذا أصاب موسى في الجبل فصنَع لهم عجلاً من ذهب»‏.‏ وأحسب أنّ هذا من آثار تلاشي التّوراة الأصلية بعد الأسر البابلي، وأن الذي أعاد كتبها لم يحسن تحرير هذه القصة‏.‏ ومما نقطع به أنّ هارون معصوم من ذلك لأنه رسول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏86‏]‏

‏{‏فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ‏(‏86‏)‏‏}‏

الغضب‏:‏ انفعال للنفس وهيجان ينشأ عن إدراك ما يسوؤها ويسخطها دون خوف، والوصف منه غَضبان‏.‏

والأسف‏:‏ انفعال للنفس ينشأ من إدراك ما يحزنها وما تكرهه مع انكسار الخاطر‏.‏ والوصف منه أسِف‏.‏ وقد اجتمع الانفعالان في نفس موسى لأنه يسوؤه وقوع ذلك في أمته وهو لا يخافهم، فانفعاله المتعلّق بحالهم غضب، وهو أيضاً يحزنه وقوع ذلك وهو في مناجاة الله تعالى التي كان يأمل أن تكون سبب رضى الله عن قومه فإذا بهم أتوا بما لا يرضي الله فقد انكسر خاطره بين يديه ربّه‏.‏

وهذا ابتداء وصف قيام موسى في جماعة قومه وفيهم هارون وفيهم السامريّ، وهو يقرع أسماعهم بزواجر وعظه، فابتدأ بخطاب قومه كلهم، وقد علم أن هارون لا يكون مشايعاً لهم، فلذلك ابتدأ بخطاب قومه ثمّ وجّه الخطاب إلى هارون بقوله ‏{‏قال يا هارون ما منعك‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 92‏]‏‏.‏

وجملة ‏{‏قَالَ ياقومم أَلَم‏}‏ مستأنفة بيانية‏.‏

وافتتاح الخطاب ب ‏{‏ياقوم‏}‏ تمهيدٌ لِلّوم لأن انجرار الأذى للرجل من قومه أحق في توجيه الملام عليهم، وذلك قوله ‏{‏فَأَخْلَفْتُم مَوْعِدِي‏}‏‏.‏

والاستفهام في ‏{‏أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ‏}‏ إنكاري؛ نزِّلوا منزلة من زعم أن الله لم يعدهم وعداً حسناً لأنّهم أجروا أعمالهم على حال من يزعم ذلك فأنكر عليهم زعمهم‏.‏ ويجوز أن يكون تقريرياً، وشأنه أن يكون على فرض النّفي كما تقدم غير مرّة‏.‏

والوعْدُ الحسن هو‏:‏ وعده مُوسى بإنزال التّوارة، ومواعدته ثلاثين ليلةً للمناجاة، وقد أعلمهم بذلك، فهو وعد لقومه لأنّ ذلك لصلاحهم، ولأنّ الله وعدهم بأن يكون ناصراً لهم على عدوّهم وهادياً لهم في طريقهم، وهو المحكي في قوله ‏{‏وواعدناكم جانب الطور الأيمن‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 80‏]‏‏.‏

والاستفهام في ‏{‏أفَطَالَ عَلَيْكُم العَهدُ‏}‏ مُفرّع على قوله ‏{‏ألَمْ يَعِدكُم رَبُّكُمْ‏}‏، وهو استفهام إنكاري، أي ليس العهد بوعد الله إياكم بعيداً‏.‏ والمراد بطول العهد طول المدّة، أي بُعدها، أي لم يبعد زمن وعد ربّكم إياكم حتى يكون لكم يأس من الوفاء فتكفروا وتكذّبوا مَن بلغكم الوعد وتعبدوا رباً غير الذي دعاكم إليه مَن بلغكم الوعد فتكون لكم شبهة عذر في الإعْراض عن عبادة الله ونسيان عهده‏.‏

والعهد‏:‏ معرفة الشيء وتذكّره، وهو مصدر يجوز أن يكون أطلق على المفعول كإطلاق الخلق على المخلوق، أي طال المعهود لكم وبعُد زمنه حتى نسيتموه وعملتم بخلافه‏.‏ ويجوز أن يبقى على أصل المصدر وهو عهدهم الله على الامتثال والعمل بالشريعة‏.‏ وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه‏}‏ وقوله ‏{‏وأوفوا بعهدي‏}‏ في ‏[‏سورة البقرة‏:‏ 27 و40‏]‏‏.‏

و ‏{‏أَم‏}‏ إضراب إبطالي‏.‏ والاستفهام المقدّر بعد ‏{‏أَمْ‏}‏ في قوله ‏{‏أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 86‏]‏ إنكاري أيضاً، إذ التقدير‏:‏ بل أردتم أن يحل عليكم غضب، فلا يكون كفركم إذن إلا إلقاءً بأنفسكم في غضب الله كحال من يحب أن يحِل عليه غضب من الله‏.‏

ففي قوله ‏{‏أَرَدْتُمْ أن يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ‏}‏ استعارة تمثيلية، إذ شبه حالهم في ارتكابهم أسباب حلول غضب الله عليهم بدون داع إلى ذلك بحال من يحبّ حلول غضب الله عليه؛ إذ الحب لا سبب له‏.‏

وقوله ‏{‏فَأَخْلَفْتُم مَوْعِدِي‏}‏ تفريع على الاستفهام الإنكاري الثاني‏.‏ ومعنى ‏{‏مَوْعِدِي‏}‏ هو وعد الله على لسانه، فإضافته إلى ضميره لأنه الواسطة فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 88‏]‏

‏{‏قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ‏(‏87‏)‏ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ‏(‏88‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم فَقَذَفْنَاهَا‏}‏

وقعت جملة ‏{‏قَالُوا‏}‏ غير معطوفة لأنها جرت في المحاورة جواباً عن كلام موسى عليه السلام‏.‏ وضمير ‏{‏قَالُوا‏}‏ عائد إلى القوم وإنما القائل بعضهم، تصدّوا مجيبين عن القوم كلّهم وهم كبراء القوم وأهل الصلاح منهم‏.‏

وقوله ‏{‏بمَلْكنا قرأه نافع، وعاصم، وأبو جعفر بفتح الميم‏.‏ وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب بكسر الميم‏.‏ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بضم الميم‏.‏ وهي وجوه ثلاثة في هذه الكلمة، ومعناها‏:‏ بإرادتنا واختيارنا، أي لإخلاف موعدك، أي ما تجرّأنا ولكن غرّهم السامريّ وغلبهم دهماء القوم‏.‏ وهذا إقرار من المجيبين بما فعله دهماؤهم‏.‏

والاستداك راجع إلى ما أفاده نفيُ أن يكون إخلافهم العهدَ عن قصد للضلال‏.‏ والجملة الواقعة بعده وقعت بإيجاز عن حُصول المقصود من التنصّل من تبعة نكث العهد‏.‏

ومحل الاستدراك هو قوله فقالوا هذا إلهكم وإله موسى‏}‏ وما قبله تمهيد له، فعطفت الجمل قبله بحرف الفاء واعتذروا بأنهم غُلبوا على رأيهم بتضليل السامريّ‏.‏ فأُدمجت في هذا الاعتذار الإشارة إلى قضية صوغ العجل الذي عبدوه واغتروا بما مُوّه لهم من أنه إلههم المنشود من كثرة ما سمعوا من رسولهم أن الله معهم أو أمامهم، ومما جاش في خواطرهم من الطمع في رؤيته تعالى‏.‏

وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب ‏{‏حُمّلنا بضمّ الحاء وتشديد الميم مكسورة، أي حَمّلنَا منْ حَمّلَنا، أو حَمّلْنا أنفسنا‏.‏

وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة، وأبو عمرو، والكسائي، ورَوحٌ عن يعقوب بفتح الحاء وفتح الميم مخففة‏.‏

والأوزار‏:‏ الأثقال‏.‏ والزينة‏:‏ الحلي والمصوغ‏.‏ وقد كان بنو إسرائيل حين أزمعوا الخروج قد احتالوا على القبط فاستعار كلّ واحد من جاره القبطي حَلياً فضةً وذهباً وأثاثاً، كما في الإصحاح 12 من سفر الخروج‏.‏ والمعنى‏:‏ أنهم خشُوا تلاشي تلك الزينة فارتأوا أن يصوغوها قطعة واحدة أو قطعتين ليتأتى لهم حفظها في موضع مأمون‏.‏

والقذف‏:‏ الإلقاء‏.‏ وأُريد به هنا الإلقاء في نار السامريّ للصوغ، كما يومئ إليه الإصحاح 32 من سفر الخروج‏.‏ فهذا حكاية جوابهم لموسى عليه السلام مجملاً مختصراً شأنَ المعتذر بعذر وَاهٍ أن يكون خجلان من عذره فيختصر الكلام‏.‏

ظاهر حال الفاء التفريعية أن يكون ما بعدها صادراً من قائل الكلام المفرّع عليه‏.‏ والمعنى‏:‏ فمثلَ قذفنا زينةَ القوم، أي في النّار، ألقى السامريّ شيئاً من زينة القوم فأخرج لهم عجلاً‏.‏ والمقصود من هذا التشبيه التخلّصُ إلى قصة صوغ العجل الذي عبدوه‏.‏

وضميرا الغيبة في قوله فَأَخْرَجَ لَهُمْفَكَذَلِكَ أَلْقَى السامرى * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِىَ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَقَالُوا‏}‏ عائدان إلى غير المتكلمين‏.‏

علّق المتكلمون الإخرَاجَ والقولَ بالغائبين للدلالة على أن المتكلمين مع موسى لم يكونوا ممن اعتقد إلهية العجل ولكنهم صانعَوا دهماء القوم، فيكون هذا من حكاية قول القوم لموسى‏.‏ وعلى هذا درج جمهور المفسرين، فيكون من تمام المعذرة التي اعتذر بها المجيبون لموسى، ويكون ضمير ‏{‏فأخرج لهم‏}‏ التفاتاً قصد القائلون به التبرّي من أن يكون إخراج العجل لأجلهم، أي أخرجَه لمن رغِبوا في ذلك‏.‏

وجعل بعض المفسرين هذا الكلام كلّه من جانب الله، وهو اختيار أبي مسلم، فيكون اعتراضاً وإخباراً للرسول صلى الله عليه وسلم وللأمّة‏.‏ وموقع الفاء يناكد هذا لأنّ الفاء لا تَرِد للاستئناف على التحقيق، فتكون الفاء للتفريع تفريعَ أخبار على أخبار‏.‏

والمعنى‏:‏ فمثل ذلك القذف الذي قذفنا ما بأيدينا من زينة القوم ألقى السامريّ ما بيده من النّار ليَذوب ويصوغها فأخرج لهم من ذلك عجلاً جسداً‏.‏ فإنّ فعل ‏(‏ألقى‏)‏ يحكي حالة مشبهة بحالة قَذفهم مصوغَ القبط‏.‏ والقذف والإلقاء مترادفان، شبه أحدهما بالآخر‏.‏

والجسد‏:‏ الجسم ذو الأعضاء سواء كان حياً أم لا؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وألْقينا على كرسيه جسداً‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 34‏]‏‏.‏ قيل‏:‏ هو شِق طفل ولدتْه إحدى نسائه كما ورد في الحديث‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الجسد هو الذي لا يَعقل ولا يميّز إنما هو الجثّة، أي أخرج لهم صورة عجل مجسّدة بشكله وقوائمه وجوانبه، وليس مجرد صورة منقوشة على طبق من فضة أو ذهب‏.‏ وفي سفر الخروج أنّه كان من ذهب‏.‏

والإخْراج‏:‏ إظهار ما كان محجوباً‏.‏ والتعبير بالإخراج إشارة إلى أنّه صنعه بحيلة مستورة عنهم حتى أتمّه‏.‏

والخُوار‏:‏ صوت البقر‏.‏ وكان الذي صنع لهم العجل عارفاً بصناعة الحِيل التي كانوا يصنعون بها الأصنام ويجعلون في أجوافها وأعناقها منافذ كالزمارات تخرج منها أصوات إذا أطلقت عندها رياح بالكير ونحوه‏.‏

وصنع لهم السامريّ صنماً على صورة عجل لأنهم كانوا قد اعتادوا في مصر عبادة العجل «ايبيس»، فلما رأوا ما صاغه السامريّ في صورة معبود عرَفوه من قبل ورأوه يزيد عليه بأن له خواراً، رسخ في أوهامهم الآفنة أن ذلك هو الإله الحقيقي الذي عبّروا عنه بقولهم ‏{‏هذا إلهكم وإله موسى، لأنهم رأوه من ذهب أو فضة، فتوهموا أنّه أفضل من العجل ‏(‏إيبيس‏)‏‏.‏ وإذ قد كانوا يثبتون إلهاً محجوباً عن الأبصار وكانوا يتطلبون رؤيته، فقالوا لموسى‏:‏ ‏{‏أرنا الله جهرة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏، حينئذ توهموا أن هذه ضالتهم المنشودة‏.‏ وقصة اتخاذهم العجل في كتاب التّوراة غير ملائمة للنظر السليم‏.‏

وتفريع ‏{‏فَنَسِى‏}‏ يحتمل أن يكون تفريعاً على ‏{‏فقال هذا إلهكم تفريعَ علة على معلول، فالضمير عائد إلى السامريّ، أي قال السامري ذلك لأنه نسي ما كان تلقّاه من هدي؛ أو تفريعَ معلول على علّة، أي قال ذلك، فكان قوله سبباً في نسيانه ما كان عليه من هَدي إذ طبع الله على قلبه بقوله ذلك فحرمه التوفيق من بعدُ‏.‏

والنسيان‏:‏ مستعمل في الإضاعة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 126‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وعلى هذا يكون قوله ‏{‏فَنَسِيَ‏}‏ من الحكاية لا من المحكي، والضمير عائد إلى السامريّ فينبغي على هذا أن يتصل بقوله ‏{‏أفلا يرون‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 89‏]‏ ويكون اعتراضاً‏.‏ وجعله جمع من المفسرين عائداً إلى موسى، أي فنسي موسى إلهكم وإلهه، أي غفل عنه، وذهب إلى الطور يفتّش عليه وهو بين أيديكم، وموقع فاء التفريع يبعد هذا التفسير‏.‏

والنسيان‏:‏ يكون مستعملاً مجازاً في الغفلة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏89‏]‏

‏{‏أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ‏(‏89‏)‏‏}‏

يجوز أن يكون اعتراضاً وليس من حكاية كلام القوم، فهو معترض بين جملة ‏{‏فكذلك ألقى السامريّ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 87‏]‏ وجملة ‏{‏قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألاّ تتبعن‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 92، 93‏]‏ الخ، فتكون الفاء لتفريع كلاممِ متكلممٍ على كلام غيره، أي لتفريع الإخبار لا لتفريع المخبر به، والمخبِر متعدد‏.‏ ويجوز أن يكون من حكاية كلام الذين تصدّوا لخطاب موسى عليه السلام من بين قومه وهم كبراؤهم وصلحاؤهم ليعلم أنهم على بصيرة من التوحيد‏.‏

والاستفهام‏:‏ إنكاري، نزلوا منزلة من لا يرى العجل لعدم جَرْيهم على موجَب البصر، فأُنكر عليهم عدم رؤيتهم ذلك مع ظهوره، أي كيف يدّعون الإلهية للعجل وهم يرون أنه لا يتكلم ولا يستطيع نفعاً ولا ضراً‏.‏

والرؤية هنا بصرية مكنى بها أو مستعملةً في مطلق الإدراك فآلت إلى معنى الاعتقاد والعلم، ولا سيما بالنسبة لجملة ‏{‏ولاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَراً ولا نَفْعاً‏}‏ فإن ذلك لا يُرى بالبصر بخلاف ‏{‏لا يرجع إليهم قولاً‏.‏ ورؤية انتفاء الأمرين مراد بها رؤية أثر انتفائهما بدوام عدم التكلّم وانتفاءِ عدم نفعهم وضرهم، لأنّ الإنكار مسلّط على اعتقادهم أنه إلههم فيقتضي أن يملكَ لهم ضرّاً ونفعاً‏.‏

ومعنى يَرْجِعُ‏}‏ يَرُدّ، أي يجيب القول، لأن ذلك محل العبرة من فقدانه صفات العاقل لأنهم يَدْعُونه ويُثنون عليه ويمجدونه وهو ساكت لا يشكر لهم ولا يَعِدهم باستجابة، وشأن الكامل إذا سمع ثناء أو تلقّى طِلبة أن يجيب‏.‏ ولا شك أن في ذلك الجمع العظيم من هو بحاجة إلى جلب نفع أو دفع ضرّ، وأنهم يسألونه ذلك فلم يجدوا ما فيه نفعهم أو دفع ضر عنهم مثل ضر عدّو أو مرض‏.‏ فهم قد شاهدوا عدم غنائه عنهم، ولأن شواهد حاله من عدم التحرك شاهدة بأنه عاجز عن أن ينفع أو يضر، فلذلك سلط الإنكار على عدم الرؤية لأنّ حاله مما يُرى‏.‏

ولامَ ‏{‏لَهُمْ‏}‏ متعلّق ب ‏{‏يَمْلِكُ‏}‏ الذي هو في معنى يستطيع كما تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً‏}‏ في سورة العقود‏.‏ ‏(‏76‏)‏‏.‏

وقدم الضرّ على النفع قطعاً لعُذرهم في اعتقاد إلهيته، لأن عذر الخائف من الضرّ أقوى من عذر الراغب في النفع‏.‏

و ‏(‏أنْ‏)‏ في قوله ألاَّ يَرْجِعُ‏}‏ مخفّفة من ‏(‏أنّ‏)‏ المفتوحة المشددة واسمها ضمير شأن محذوف، والجملة المذكورة بعدها هي الخبر، ف ‏{‏يرجعُ مرفوع باتفاق القراءات ما عدا قراءات شاذة‏.‏ وليست ‏(‏أنْ‏)‏ مصدرية لأن ‏(‏أن‏)‏ المصدرية لا تقع بعد أفعال العلم ولا بعد أفعال الإدراك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 91‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ‏(‏90‏)‏ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ‏(‏91‏)‏‏}‏

الجملة في موضع الحال من ضمير ‏{‏أفلا يرون‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 89‏]‏ على كلا الاحتمالين، أي كيف لا يستدلّون على عدم استحقاق العجل الإلهيّة، بأنه لا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً فيقلعون عن عبادة العجل، وتلك دلالة عقلية، في حال أنّ هارون قد وعظهم ونبههم إلى ذلك إذ ذكّرهم بأنه فتنة فتنهم بها السامريّ، وأن ربّهم هو الرحمان لا ما لا يملك لهم نفعاً فضلاً عن الرحمة، وأمرهم بأن يتبعوا أمره، وتلك دلالة سمعيّة‏.‏

وتأكيد الخبر بحرف التحقيق ولام القسم لتحقيق إبطال ما في كتاب اليهود من أن هارون هو الذي صنَع لهم العِجل، وأنه لم ينكر عليهم عبادته‏.‏ وغاية الأمر أنه كان يستهزئ بهم في نفسه، وذلك إفك عظيم في كتابهم‏.‏

والمضاف إليه ‏(‏قبلُ‏)‏ محذوف دل عليه المقام، أي من قبللِ أن يرجعَ إليهم موسى وينكر عليهم‏.‏

وافتتاح خطابه ب ‏{‏يا قوم تمهيد لمقام النصيحة‏.‏

ومعنى إنَّمَا فُتِنْتُم بِه‏}‏‏:‏ ما هو إلاّ فتنة لكم وليس ربّاً، وإن ربّكم الرحمان الذي يرحمكم في سائر الأحوال، فأجابوه بأنّهم لا يزالون عاكفين على عبادته حتى يرجع موسى فيصرّح لهم بأن ذلك العجل ليس هو ربّهم‏.‏

ورتب هارون خطابه على حسب الترتيب الطبيعي لأنه ابتدأه بزجرهم عن الباطل وعن عبادة ما ليس برب، ثمّ دعاهم إلى معرفة الرب الحق، ثمّ دعاهم إلى اتباع الرسول إذ كان رسولاً بينهم، ثم دعاهم إلى العمل بالشرائع، فما كان منهم إلاّ التصميم على استمرار عبادتهم العجل فأجابوا هارون جواباً جازماً‏.‏

و ‏{‏عَلَيهِ‏}‏ متعلّق ب ‏{‏عاكفين‏}‏ قدم على متعلقه لتقوية الحكم، أو أرادوا‏:‏ لن نبرح نخصه بالعكوف لا نعكف على غيره‏.‏

والعكوف‏:‏ الملازمة بقصد القربة والتعبد، وكان عبَدة الأصنام يَلزمونها ويطوفون بها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 94‏]‏

‏{‏قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ‏(‏92‏)‏ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ‏(‏93‏)‏ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ‏(‏94‏)‏‏}‏

انتقل موسى من محاورة قومه إلى محاورة أخيه، فجملة ‏{‏قَالَ ياهارون‏}‏ تابعة لجملة ‏{‏قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 86‏]‏، ولجملة ‏{‏قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا‏}‏ ‏[‏طاه‏:‏ 87‏]‏ وقد وجدت مناسبة لحكاية خطابه هارون بعد أن وقع الفصْل بين أجزاء الحكاية بالجمل المعترضة التي منها جملة ‏{‏ولقد قال لهم هارون من قبل‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 90‏]‏ الخ فهو استطراد في خلال الحكاية للإشعار بعذر هارون كما تقدم‏.‏ ويحتمل أن تكون عطفاً على جملة ‏{‏ولقد قال لهم هارون‏}‏ الخ على احتمال كون تلك من حكاية كلام قوم موسى‏.‏

علم موسى أن هارون مخصوص من قومه بأنّه لم يعبد العجل، إذ لا يجوز عليه ذلك لأنّ الرسالة تقتضي العصمة، فلذلك خصه بخطاب يناسب حاله بعد أن خاطب عموم الأمة بالخطاب الماضي‏.‏ وهذا خطاب التوبيخ والتهديد على بقائه بين عبدة الصنم‏.‏

والاستفهام في قوله ‏{‏مَا مَنَعَكَ‏}‏ إنكاري، أي لا مانع لك من اللحاق بي، لأنه أقامه خليفة عنه فيهم فلما لم يمتثلوا أمره كان عليه أن يرد الخلافة إلى من استخلفه‏.‏

و ‏{‏إذْ رأيْتَهُم‏}‏ متعلق ب ‏{‏مَنَعَكَ‏}‏‏.‏ و‏(‏أنْ‏)‏ مصدرية، و‏(‏لا‏)‏ حرف نفي‏.‏ وهي مؤذنة بفعل محذوف يناسب معنى النفي‏.‏ والمصدر الذي تقتضيه ‏(‏أن‏)‏ هو مفعول الفعل المحذوف‏.‏ وأما مفعول ‏{‏مَنَعَكَ‏}‏ فمحذوف يدلّ عليه ‏{‏مَنَعَكَ‏}‏ ويدل عليه المذكور‏.‏

والتقدير‏:‏ ما منَعك أن تتبعني واضطرّك إلى أنْ لا تتبعني، فيكون في الكلام شِبه احتباك‏.‏ والمقصود تأكيدُ وتشديدُ التوبيخ بإنكار أن يكون لهارونَ مانع حينئذ من اللحاق بموسى ومقتض لعدم اللحاق بموسى، كما يقال‏:‏ وُجد السبب وانتفَى المانع‏.‏

ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏12‏)‏ فارجعْ إليه‏.‏

والاستفهام في قوله أفَعَصَيْتَ أمري‏}‏ مفرع على الإنكار، فهو إنكار ثان على مخالفة أمره، مشوب بتقرير للتهديد‏.‏

وقوله في الجواب ‏{‏يا ابن أم‏}‏ نداء لقصد الترقيق والاستشفاع‏.‏ وهو مؤذن بأن موسى حين وبّخه أخذ بِشَعرِ لحية هارون، ويشعر بأنه يجذبه إليه ليلطمه، وقد صرح به في الأعراف ‏(‏50‏)‏ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه‏}‏

وقرأ الجمهور يا ابن أمَّ بفتح الميم‏.‏ وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بكسر الميم وأصله‏:‏ يا ابن أمّي، فحذفت ياء المتكلم تخفيفاً، وهو حذف مخصوص بالنداء‏.‏ والقراءتان وجهان في حذف ياء المتكلّم المضاف إليها لفظ أمّ ولفظ ‏(‏عَمّ‏)‏ في النداء‏.‏

وعطف الرأس على اللحية لأنّ أخذه من لحيته أشد ألماً وأنكى في الإذلال‏.‏

وابنُ الأم‏:‏ الأخ‏.‏ وعدل عن ‏(‏يا أخي‏)‏ إلى ‏(‏ابن أم‏)‏ لأن ذكر الأم تذكير بأقوى أواصر الأخوّة، وهي آصرة الولادة من بطن واحد والرضاععِ من لبان واحد‏.‏

واللِحية بكسر اللاّم ويجوز فتح اللاّم في لغة الحجاز اسم للشعر النابت بالوجه على موضع اللحيين والذقْن، وقد أجمع القراء على كسر اللاّم من لِحيتي‏}‏‏.‏

واعتذر هارون عن بقائه بين القوم بقوله ‏{‏إني خشيت أن تقول فرقتَ، أي أن تظن ذلك بي فتقوله لوْماً وتحميلاً لتبعة الفرقة التي ظن أنها واقعة لا محالة إذا أظهر هارون غضبه عليهم لأنه يستتبعه طائفة من الثابتين على الإيمان ويخالفهم الجمهور فيقع انشقاق بين القوم وربما اقتتلوا فرأى من المصلحة أن يظهر الرضى عن فعلهم ليهدأ الجمهور ويصبر المؤمنون اقتداء بهارون، ورأى في سلوك هذه السياسة تحقيقاً لقول موسى له ‏{‏وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏142‏)‏‏.‏ وهو الذي أشار إليه هنا بقوله ولَمْ تَرْقُب قَوْلي‏}‏، فهو من جملة حكاية قول موسى الذي قدره هارون في ظنه‏.‏

وهذا اجتهاد منه في سياسة الأمة إذ تعارضت عنده مصلحتان مصلحة حفظ العقيدة ومصلحة حفظ الجامعة من الهرج‏.‏ وفي أثنائها حفظ الأنفس والأموال والأخوة بين الأمّة فرجّح الثانية، وإنما رجحها لأنه رآها أدوم فإن مصلحة حفظ العقيدة يُستدرك فواتُها الوقتيُّ برجوع موسى وإبطاله عبادة العجل حيث غيوا عكوفهم على العجل برجوع موسى، بخلاف مصلحة حفظ الأنفس والأموال واجتماع الكلمة إذا انثلمت عسر تداركها‏.‏

وتضمن هذا قوله ‏{‏إنِّي خَشِيتُ أن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إسرائيلَ ولَمْ تَرْقُب قَوْلِي‏}‏، وكان اجتهاده ذلك مرجوحاً لأن حفظ الأصل الأصيل للشريعة أهم من حفظ الأصول المتفرعة عليه، لأنّ مصلحة صلاح الاعتقاد هي أم المصالح التي بها صلاح الاجتماع، كما بيناه في كتاب «أصول نظام الاجتماع الإسلامي»‏.‏ ولذلك لم يكن موسى خَافياً عليه أن هارون كان من واجبه أن يتركهم وضلالهم وأن يلتحق بأخيه مع علمه بما يفضي إلى ذلك من الاختلاف بينهم، فإن حرمة الشريعة بحفظ أصولها وعدم التساهل فيها، وبحرمة الشريعة يبقى نفوذها في الأمة والعملُ بها كما بينته في كتاب «مقاصد الشريعة»‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بين بَني‏}‏ جناس، وطرد وعكس‏.‏

وهذا بعض ما اعتذر به هارون، وحكي عنه في سورة الأعراف ‏(‏150‏)‏ أنه اعتذر بقوله ‏{‏إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 96‏]‏

‏{‏قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ‏(‏95‏)‏ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ‏(‏96‏)‏‏}‏

التفت موسى بتوجيه الخطاب إلى السامريّ الذي كان سبباً في إضلال القوم، فالجملة ناشئة عن قول القوم ‏{‏فكذلك ألقى السامريّ فأخرج لهم عجلاً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 88‏]‏ الخ، فهي ابتداء خطاب‏.‏ ولعل موسى لم يغلظ له القول كما أغلظ لهارون لأنه كان جاهلاً بالدّين فلم يكن في ضلاله عجب‏.‏ ولعل هذا يؤيد ما قيل‏:‏ إن السامريّ لم يكن من بني إسرائيل ولكنه كان من القِبط أو من كِرمان فاندسّ في بني إسرائيل‏.‏ ولما كان موسى مبعوثاً لبني إسرائيل خاصة ولفرعون وملئه لأجل إطلاق بني إسرائيل، كان اتّباع غير الإسرائيليين لشريعة موسى أمراً غير واجب على غير الإسرائيليين ولكنه مرغّب فيه لما فيه من الاهتداء، فلذلك لم يعنفه موسى لأنّ الأجدر بالتعنيف هم القوم الذين عاهدوا الله على الشريعة‏.‏

ومعنى ‏{‏ما خطبك‏}‏ ما طَلبك، أي ماذا تخطب، أي تطلب، فهو مصدر‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ «وهي كلمة أكثر ما تستعمل في المَكاره، لأن الخطب هو الشأن المكروه‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما خَطبكم أيها المرسلون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 31‏]‏، فالمعنى‏:‏ ما هي مصيبتك التي أصبت بها القوم وما غرضك مما فعلت‏.‏

وقوله ‏{‏بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِه‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَنَبَذْتُهَا‏}‏ إن حُملت كلمات ‏(‏بَصُرت بما لم يبصروا به‏.‏ وقبضت قبضة، وأثر، ونبذتها‏)‏ على حقائق مدلولاتها كما ذهب إليه جمهور المفسرين كان المعنى أبصرت ما لم يُبصروه، أي نظرت ما لم ينظروه، بناء على أن بَصُرت، وأبصرت كلاهما من أفعال النظر بالعين، إلا أن بصُر بالشيء حقيقته صار بصيراً به أو بصيراً بسببه، أي شديد الإبصار، فهو أقوى من أبصرت، لأنّه صيغ من فَعُل بضم العين الذي تشتق منه الصفات المشبهة الدالة على كون الوصف سجية، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فبصرت به عن جنب‏}‏ في سورة القصص ‏(‏11‏)‏‏.‏

ولما كان المعنى هنا جليّاً عن أمر مرئيّ تعيّن حمل اللفظ على المجاز باستعارة بصُر الدال على قوّة الإبصار إلى معنى العِلم القويّ بعلاقة الإطلاق عن التقييد، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبصرك اليوم حديد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 22‏]‏، وكما سميت المعرفة الراسخة بَصيرة في قوله ‏{‏أدعوا إلى الله على بصيرة‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 108‏]‏‏.‏ وحكى في «لسان العرب» عن اللحياني‏:‏ إنه لبصير بالأشياء، أي عالم بها، وبصرت بالشيء‏:‏ علمته‏.‏ وجعل منه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بصرت بما لم يبصروا به، وكذلك فسرها الأخفش في نقل لسان العرب‏}‏ وأثبته الزجاج‏.‏ فالمعنى‏:‏ علمتُ ما لم يعلموه وفطنت لما لم يفطنوا له، كما جعله في «الكشاف» أول وجهين في معنى الآية‏.‏ ولذلك طريقتان‏:‏ إما جعل بصُرت مجازاً، وإما جعله حقيقة‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏يبصروا بتحتية على أنه رافع لضمير الغائب‏.‏ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بفوقية على أنه خطاب لموسى ومن معه‏.‏

والقَبضة‏:‏ بفتح القاف الواحدة‏:‏ من القَبض، وهو غلق الراحة على شيء، فالقبضة مصدر بمعنى المفعول، وضد القبض‏:‏ البسط‏.‏

والنبذ‏:‏ إلقاء ما في اليد‏.‏

والأثر‏:‏ حقيقته‏:‏ ما يتركه الماشي من صورة قَدَمِه في الرمل أو التراب‏.‏ وتقدم آنفاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال هم أولاء على أثري‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 84‏]‏‏.‏

وعلى حمل هذه الكلمات على حقائقها يتعين صرف الرسول عن المعنى المشهور، فيتعين حمله على جبريل فإنه رسول من الله إلى الأنبياء‏.‏ فقال جمهور المفسرين‏:‏ المراد بالرسول جبريل، ورووا قصة قالوا‏:‏ إن السامري فتنهُ الله، فأراه الله جبريل راكباً فرساً فوطئ حافر الفرس مكاناً فإذا هو مخضَرّ بالنبات‏.‏ فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حياً، فأخذ قَبضة من ذلك التراب وصنَع عجلاً وألقى القبضة عليه فصار جسداً، أي حياً، له خوار كخوار العجل، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ‏.‏ وهذا الذي ذكروه لا يوجد في كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنّة وإنما هي أقوال لبعض السلف ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين‏.‏

فإذا صُرفت هذه الكلمات الستُّ إلى معان مجازية كان ‏{‏بصُرت بمعنى علمتُ واهتديت، أي اهتديت إلى علم ما لم يعلموه، وهو علم صناعة التماثيل والصور الذي به صنع العجل، وعلم الحِيل الذي أوجد به خُوار العجل، وكانت القبضة بمعنى النصيب القليل، وكان الأثر بمعنى التعليم، أي الشريعة، وكان نبذت‏}‏ بمعنى أهملت ونقضت، أي كنت ذا معرفة إجمالية من هدي الشريعة فانخلعت عنها بالكفر‏.‏ وبذلك يصح أن يحمل لفظ الرسول على المعنى الشائع المتعارف وهو مَن أوحي إليه بشرع من الله وأُمر بتبليغه‏.‏

وكان المعنى‏:‏ إني بعملي العجل للعبادة نقضت اتباع شريعة موسى‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه اعترف أمام موسى بصنعِهِ العجل واعترف بأنه جَهِل فَضَلّ، واعتذر بأن ذلك سوّلته له نفسه‏.‏

وعلى هذا المعنى فسر أبو مسلم الأصفهاني ورجحه الزمخشري بتقديمه في الذكر على تفسير الجمهور واختاره الفخر‏.‏

والتسويل‏:‏ تزيين ما ليس بزين‏.‏

والتشبيه في قوله ‏{‏وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي‏}‏ تشبيه الشيء بنفسه، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏، أي كذلك التسويل سولت لي نفسي، أي تسويلاً لا يقبل التعريفَ بأكثر من ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏97‏]‏

‏{‏قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ‏(‏97‏)‏‏}‏

لم يزد موسى في عقاب السامريّ على أن خلعه من الأمّة، إما لأنّه لم يكن من أنفسهم فلم يكن بالذي تجري عليه أحكام الشريعة، وإما لأنّ موسى أعلم بأن السامري لا يرجى صلاحه، فيكون ممن حقّت عليه كلمة العذاب، مثل الذين قال الله تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 96، 97‏]‏، ويكون قد أطلع الله موسى على ذلك بوحي أو إلهام، مثل الذي قاتل قتالاً شديداً مع المسلمين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أما إنه من أهل النّار ‏"‏، ومثل المنافقين الذين أعلم الله بهم محمداً صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بن اليمان ببعضهم‏.‏

فقوله ‏{‏فَاذْهَبْ‏}‏ الأظهر أنه أمر له بالانصراف والخروج من وسط الأمّة، ويجوز أن يكون كلمة زجر، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنّم جزاؤكم‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 63‏]‏، وكقول الشاعر مما أنشده سيبويه في «كتابه» ولم يعزه‏:‏

فاليوم قَرّبْتَ تهجونا وتشتمنا *** فاذْهَبْ فما وبك لأيام من عجب

ويجوز أن يكون مراداً به عدم الاكتراث بحاله كقول النبهاني من شعراء «الحماسة»‏:‏

فإن كنتَ سيدنا سُدْتَنا *** وإن كنت للخَال فاذْهَب فَخَلْ

أما قوله ‏{‏فَإنَّ لَكَ في الحَيَاةِ أن تَقُولَ لا مِساس وإنَّ لكَ مَوْعِداً لَن تُخْلفَهُ‏}‏ فهو إخبار بما عاقبه الله به في الدنيا والآخرة، فجعل حَظه في حياته أن يقول لا مِساس، أي سلبه الله الأُنس الذي في طبع الإنسان فعوضه به هوساً ووسواساً وتوحشاً، فأصبح متباعداً عن مخالطة الناس، عائشاً وحده لا يترك أحداً يقترب منه، فإذا لقيه إنسان قال له‏:‏ لا مساس، يخشى أن يمسه، أي لا تمسني ولا أمسك، أو أراد لا اقتراب مني، فإن المس يطلق على الاقتراب كقوله ‏{‏ولا تمسوها بسوء‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 64‏]‏، وهذا أنسب بصيغة المفاعلة، أي مقاربة بيننا، فكان يقول ذلك، وهذه حالة فظيعة أصبح بها سخرية‏.‏

ومِساس بكسر الميم في قراءة جميع القراء وهو مصدر ماسّهُ بمعنى مسه، و‏(‏لا‏)‏ نافية للجنس، و‏{‏مساس اسمها مبني على الفتح‏.‏

وقوله وإنَّ لكَ مَوعِداً‏}‏ اللام في ‏{‏لَكَ‏}‏ استعارة تهكمية، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن أسأتم لها‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 7‏]‏ أي فعليها‏.‏ وتوعده بعذاب الآخرة فجعله موعداً له، أي موعد الحشر والعذاببِ، فالموعد مصدر، أي وعد لا يخلف ‏{‏وعد الله لا يخلف الله وعده‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 6‏]‏‏.‏ وهنا توعُّد بعذاب الآخرة‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏لن تُخلَفه بفتح اللاّم مبنيّاً للمجهول للعلم بفاعله، وهو الله تعالى، أي لا يؤخره الله عنك، فاستعير الإخلاف للتأخير لمناسبة الموعد‏.‏

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بكسر اللام مضارع أخْلَف وهمزته للوجدان‏.‏ يقال‏:‏ أخلف الوعد إذا وجده مُخْلَفاً، وإما على جعل السامريّ هو الذي بيده إخلاف الوعد وأنه لا يخلفه، وذلك على طريق التهكم تبعاً للتهكم الذي أفاده لام الملك‏.‏

وبعد أن أوعد موسى السامريّ بيّن له وللذين اتبعوه ضلالهم بعبادتهم العجل بأنه لا يستحق الإلهيّة لأنّه معرّض للامتهان والعَجز، فقال‏:‏ وانْظُر إلى إلهك الَّذِي ظَلتَ عليهِ عاكِفاً لنُحرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ في الْيَممِ نَسْفاً‏}‏‏.‏ فجعَل الاستدلال بالنظر إشارة إلى أنه دليل بيّن لا يحتاج المستدل به إلى أكثر من المشاهدة فإن دلالة المحسوسات أوضح من دلالة المعقولات‏.‏

وأضاف الإله إلى ضمير السامريّ تهكماً بالسامريّ وتحقيراً له، ووصف ذلك الإله المزعوم بطريق الموصولية لما تدلّ عليه الصلة من التنبيه على الضلال والخطأ، أي الذي لا يستحق أن يعكف عليه‏.‏

وقوله ‏{‏ظلتَ‏}‏ بفتح الظاء في القراءات المشهورة، وأصله‏:‏ ظَلَلْتَ‏:‏ حذفت منه اللام الأولى تخفيفاً من توالي اللاميْن وهو حذف نادر عند سيبويه وعند غيره هو قياس‏.‏

وفعل ‏(‏ظلّ‏)‏ من أخوات ‏(‏كان‏)‏‏.‏ وأصله الدلالة على اتصاف اسمه بخبره في وقت النّهار، وهو هنا مجاز في معنى ‏(‏دام‏)‏ بعلاقة الإطلاق بناء على أنّ غالب الأعمال يكون في النّهار‏.‏

والعكوف‏:‏ ملازمة العبادة وتقدم آنفاً‏.‏ وتقديم المجرور في قوله ‏{‏عَلَيْهِ عَاكِفَاً‏}‏ للتخصيص، أي الذي اخترته للعبادة دون غيره، أي دون الله تعالى‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏لنُحرِّقنَّه‏}‏ بضم النون الأولى وفتح الحاء وكسر الراء مشددة‏.‏ والتحريق‏:‏ الإحراق الشديد، أي لنحرقنه إحراقاً لا يدع له شكلاً‏.‏ وأراد به أن يذيبه بالنّار حتى يفسد شكله ويصير قِطَعاً‏.‏

وقرأ ابن جمّاز عن أبي جعفر ‏{‏لنُحْرِقنه بضم النّون الأولى وبإسكان الحاء وتخفيف الراء‏.‏ وقرأه ابن وَردان عن أبي جعفر بفتح النون الأولى وإسكان الحاء وضم الراء لأنّه يقال‏:‏ أحرقه وحرّقه‏.‏

والنسف‏:‏ تفريقٌ وإذراء لأجزاء شيء صلب كالبناء والتراب‏.‏

وأراد باليمّ البحر الأحمر المسمى بحر القلزم، والمسمى في التوراة‏:‏ بحْرَ سُوف، وكانوا نازلين حينئذ على ساحله في سفح الطور‏.‏

و ‏(‏ثم‏)‏ للتّراخي الرتبي، لأن نسف العجل أشد في إعدامه من تحريقه وأذل له‏.‏

وأكد ننسِفَنّه بالمفعول المطلق إشارة إلى أنه لا يتردد في ذلك ولا يخشى غضبه كما يزعمون أنّه إله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏98‏]‏

‏{‏إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ‏(‏98‏)‏‏}‏

هذه الجملة من حكاية كلام موسى عليه السلام فموقعها موقع التذييل لوعظه، وقد التفت من خطاب السامري إلى خطاب الأمّة إعراضاً عن خطابه تحقيراً له، وقصداً لتنبيههم على خطئهم، وتعليمهم صفات الإله الحق، واقتصر منها على الوحدانية وعموم العلم لأن الوحدانية تجمع جميع الصفات، كما قرر في دلالة كلمة التوحيد عليها في كتب علم الكلام‏.‏

وأما عموم العلم فهو إشارة إلى علم الله تعالى بجميع الكائنات الشاملة لأعمالهم ليرقبوه في خاصتهم‏.‏

واستعير فعل ‏{‏وَسِعَ‏}‏ لمعنى الإحاطة التامة، لأن الإناء الواسع يحيط بأكثر أشياء مما هو دونه‏.‏

وانتصب ‏{‏عِلْماً‏}‏ على أنه تمييز نسبة السعةِ إلى الله تعالى، فيؤول المعنى‏:‏ وسع علمه كل شيء بحيث لا يضيق علمه عن شيء، أي لا يقصر عن الاطلاع على أخفى الأشياء، كما أفاده لفظ ‏(‏كل‏)‏ المفيد للعموم‏.‏ وتقدم قريب منه عند قوله ‏{‏وسع كرسيه السموات والأرض‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏255‏)‏‏.‏